.الأمر الذي دفع رابطة النساء السوريات مؤخرا إلى عقد مؤتمر صحفي في المنتدى الاجتماعي لتجديد الحملة والإعلان عن تسليم مذكرتين الأولى للسيد رئيس الجمهورية و الثانية لمجلس الشعب بغية تحريك القضية مجددا .
قد تبدو القضية لدى البعض غير ذات أهمية على اعتبار أنها لا تطال سوى شريحة صغيرة من المجتمع السوري خاصة لو تساءلنا عن عدد السيدات السوريات المتزوجات من غير السوريين سواء كانوا عربا أم أجانبا، في واقع الأمر لا يبدو الحصول على جواب أمرا هينا نظرا لغياب الدراسات الإحصائية المتعلقة بهذا الخصوص حيث أن وثائق الزواج لا تتضمن عادة ما يشير لجنسية الزوج. إلا أن هذا لا يعني أبدا أن القضية تخص فئات قليلة،فلو دققنا النظر حولنا في محيط أسرنا أو عملنا لوجدنا عشرات السيدات المتزوجات من غير السورين. وهو أمر ليس بغريب على المجتمع السوري الذي عرف دوما بعروبته و انفتاحه على الأشقاء العرب في مختلف الظروف، و هو كان و مازال البلد العربي الوحيد الذي لا يطلب تأشيرة دخول من أي عربي لزيارته. مما يعني ارتفاع معدل زواج الفتيات السوريات من غير السوريين بصورة منطقية من مختلف الدول العربية بالإضافة إلى الأجنبية. إلا أن الغير منطقي هو أن تحرم المراة السورية وحدها من ابسط حقوق المواطنة و التي تتعلق بإمكانية منح جنسيتها لأولادها خاصة و أن القانون السوري لا يحرم المراة منها في حال زواجها من غير السوري.
ولان البعض قد يبدي تحفظ على إثارة هذه القضية اليوم بحجة أن هناك قضايا أخرى أكثر أهمية و تستحق المعالجة تتعلق بوضع المراة و الأسرة السورية، فإننا نؤكد أن واقع السيدات السوريات المتزوجات من غير السوريين و أطفالهن و المقيمات على الأراضي السورية يزداد سوءا يوما بعد يوم خاصة مع تقدم الأبناء في العمر و بلوغهم مرحلة الشباب ، مرحلة التفاعل و التواصل مع مجتمع ينتمون إليه قلبا و قالبا و لكنه لا يعترف حتى بوجودهم على أراضيه..
انتماء اللا منتمي :
تقول السيدة منتهى هواري ” تزوجت عن طريق الأسرة من طبيب مصري و انتقلت للعيش معه في مصر بعد الزواج الذي لم يستمر لأكثر من شهر،عدت بعدها إلى بلدي لألد ابني الوحيد بعد تسعة اشهر و أبدأ معه رحلة البحث عن جنسية.فوالده لم يرسل لي سوى شهادة ميلاد هي اليوم كل ما يملك لإثبات شخصيته.لم اترك بابا إلا و طرقته السفارة المصرية،الخارجية و الداخلية و من ثم الهجرة و الجوازات التي منحت ابني تذكرة عبور لمصر في عمر السادسة عشر و مع ذلك لم يحصل على جواز سفر لأنه قاصر و القانون المصري يشترط موافقة الأب الذي لم يتعاون معنا ….تعرض ابني لحادث سير مما أعاق تقدمه لامتحان الشهادة الثانوية و لم نستطع اتخاذ أي إجراء بحق المخالف نظرا لعدم وجود أي أوراق ثبوتية لدى ابني.لقد ولد ابني في دمشق و درس في مدارسها، تربى في حاراتها وأتقن لهجتها و لم يعرف غيرها وطنا.و مع ذلك فانه بلغ الخامسة والعشرين دون أن يمتلك حق العمل أو التملك أو الزواج أو حق قيادة سيارة في شوراعها و لا حتى حق قطع تذكرة سفر بالنقل الداخلي لانه ببساطة لا يحمل هوية، إنني اشعر بالحسرة و الألم و أنا اسمع ابني الذي أمضيت حياتي كلها من اجله يلوموني بسبب وضعه الحالي… “.
مشكلة السيدة هواري لا تمسها وحدها بل تمس مئات الأمهات و ألاف الأبناء الذين ولدوا و عاشوا و تربوا في هذا البلد و لكن دون أن يمتلكوا حق التواجد على أراضيه. في الوقت نفسه يكتسب أبناء المغتربين الجنسية السورية تلقائيا من آبائهم بحسب القانون السوري الذي يكفل حق الجنسية لكل من ولد من أب سوري داخل أو خارج القطر مهما طالت مدة بقائه في الخارج و حتى لو لم يزره في حياته كلها..!!!
لين طالبة متفوقة تدرس الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، ولدت من أم سورية وأب مالي. سرعان ما تنسى ملامحها الأجنبية أمام لكنتها الشامية التي تؤكد انتمائها لسورية” تزوجت والدتي من والدي و سافرا للعيش في فرنسا و بعد عودة أمي إلى سوريا لولادتي،انقطعت أخبار والدي عنا و بقيت أنا بلا جنسية أو هوية تثبت شخصيتي نظرا لعدم وجود أي سفارة أو تمثيل دبلوماسي لمالي هنا،لقد عانت أمي الآمرين جراء ذلك سواء عند تسجيلي في المدرسة أو حتى في الجامعة التي كان من الممكن أن احرم منها لأنني لا امتلك ما يثبت هويتي،إلا أن تعاطف إدارة الجامعة مع قصتي ساعدني في التسجيل الذي ضمت اضبارته عشرات الأوراق في محاولة لإثبات شخصيتي…لقد بذلت أمي جهدا كبيرا في مراسلة السفارة المالية في مصر للحصول على جواز سفر لي و بعد معاناة دامت ثمانية شهور جاءنا الرد بأنه يتوجب علينا الانتظار ضمن قائمة طويلة للحصول على جنسية بلد لا اعرف عنها شئ… شعور الندم يراود أمي التي فضلت ولادتي هنا عن فرنسا و بالتالي حرمتني حق الحصول على الجنسية الفرنسية تلقائيا…”.
و إذا كان الدستور السوري ينص في المادة /44/ على أن” الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية و تحميها الدولة” فأين هي حماية الدولة لأسرة السيدة فوز الأحمد التي تزوجت مرتين الأولى من زوج سوري و أنجبت طفلة و الثانية من فلسطيني و أنجبت أيضا طفلة هي في العاشرة من عمرها اليوم،إلا أنها لا تستطيع مرافقة أمها و أختها إلى أي مكان خارج سورية نظرا لأنها تحمل جنسية والدها الفلسطينية،تقول السيدة الأحمد ” ما ذنب طفلتي الصغيرة أن تحرم من مرافقتي و من زيارة أقاربها و أقارب والدها و التعرف على عائلتها فقط لأنها تحمل جنسية والدها، ما ذنبي أنا أن احرم من اصطحابها معي و هي صغيرة و بحاجة إلى رعايتي.لقد فوجئت عندما علمت أن القانون لا يعطني حق منحها جنسيتي و بالتالي يفرق بيني و بينها بحجة اختلاف الجنسية”…
قانون و لكن :
تختلف أسس اكتساب الجنسية من بلد لأخر بحسب ظروف و وضع كل بلد ،إلا أنها غالبا ما ترتكز على أساسين اثنين هما الأسرة أو ما يعرف بحق الدم و الأساس الجغرافي أو ما يعرف بحق الإقليم و هو الولادة على ارض الدولة. و قد استند المشرع السوري إلى الأساس الأول في منح الجنسية فنص في المادة /3/ من المرسوم التشريعي 276/1969 على انه يعتبر عربي سوري حكما من ولد في القطر أو خارجه من أب عربي سوري .
و اعتماد النسب لجهة الأب لاعتبارات دينية و قومية، يعني منح أبناء المغتربين الذين لم يزوروا سوريا منذ أعوام طويلة الجنسية السورية باعتبارهم سفراء لبلدنا في الخارج وهم يشكلون مصدر قوة و دعم مادي و معنويا. في المقابل لم يمنح المشرع السوري الجنسية السورية استنادا لحق الدم لجهة الام إلا في حالة واحدة و هي عدم ثبات نسب الطفل لوالده شريطة أيضا أن يكون مولودا على الأراضي السورية!!!و هنا تبدو المفارقة المضحكة المبكية إذ يحرم الابن الشرعي لام سورية و أب غير سوري من الجنسية السورية في حين يحصل عليها الابن الغير شرعي .
تقول د .كندة الشماط أستاذة مدرسة في كلية الحقوق جامعة دمشق”يعد الدستور نصا أسمى لا يجوز لقاعدة داخلية أن تتعارض معه،إلا أن قانون الجنسية السوري يعد مع الأسف مخالفة واضحة للدستور الذي لم يميز بين الرجل و المراة في الحقوق و الواجبات. لقد جافى المنطق المشرع السوري حين اعترف للأب السوري بحق منح الجنسية لا بناءه و حرم المراة/ لام منها.فإذا كان القانون السوري لا يمنع زواج السورية بغير السوري و لا يجردها من جنسيتها جراء ذلك فلما يمنع عنها حق منحا لأولادها خاصة إذا كانت مقيمة هي و أولادها على الأراضي السورية ؟؟ لقد وصلت المراة السورية لمواقع متقدمة و مناصب عالية و مع ذلك فإنها لا تملك حق منح جنسيتها لابنها إلا في حال عدم ثبات النسب . كلنا يعلم جيدا أن المطالبين بالحصول على الجنسية السورية هم في حقيقة الأمر بأشد الحاجة إليها فإذا كانوا يولدون و يدرسون و يعيشون على أراضي السوري و معظمهم لا يعرف وطنا أخر غير سوريا و إن انتمى ورقيا لبلد أخر فما المانع القانوني و الإنساني من منحهم الجنسية خاصة و أنهم يشكلون قوة علمية و مادية منتجة و مفيدة لهذا البلد. إن تعديل القانون أمر واجب نظرا لنتائج غيابه السلبية على الصعيد الأسري و الاجتماعي “.
و إذا كان الدستور السوري لا يفرق بين الرجل و المراة في الحقوق و الواجبات بحسب المادة /25/ الفقرة الثالثة منه”المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق و الواجبات” فان المطالبة بتعديل قانون الجنسية بحيث يصبح للام أيضا حق منح جنسيتها لأولادها لا يندرج فقط في نطاق مساواة المراة بالرجل ،و إنما يرتبط ارتباطا وثيقا بحقوق الطفل بالحياة برعاية والدته و حقه في العيش في المجتمع الذي يشعر حقا بالانتماء إليه في مقابل أن يعترف هذا المجتمع بشرعية وجوده.
و لأنه يحلو للبعض وضع العصي بين الدواليب، فإننا نصادف الكثيرين ممن يتذرعون بالشريعة الإسلامية التي تنص على نسب الابن لأبيه،و هو أمر لا علاقة له على الإطلاق بقانون الجنسية. فعلماء الدين يتجهون إلى الفصل بين الجنسية و الشريعة،على اعتبار أن الجنسية هي “رابطة سياسية و قانونية بين الفرد و الدولة في التشريعات الوضعية الحديثة” و بالتالي لا وجود لأي انعكاسات دينية أو اجتماعية تمس النسب و هو ما يظهر جليا بالقانون ذاته الذي يمنح الجنسية للابن الغير شرعي .
و خير دليل على هذا قول الإمام محمد عبده”وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه.و يتخذ فيه طريقة كسبه لعيشه و يقر فيه مع أهله و لا ينظر إلى مولده و لا إلى البلد الذي نشا فيه…. فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته و له من حقوق رعية الحاكم و عليه ما عليهم “.
من جهة أخرى يربط الكثيرون بين تعديل قانون الجنسية وبين التوجه السياسي المتعلق بحماية حق الفلسطينيين بالعودة وبالتالي يرفضون تعديل القانون تخوفا من الآثار التي يمكن أن تنتج عنه و تضر بالقضية الفلسطينية.وهنا لابد من الإشارة إلى إن الربط بين تعديل القانون و وضع الفلسطينيين أمر غير منطقي، فالرجل السوري يستطيع منح جنسيته السورية لزوجته الفلسطينية بعد الزواج بعامين بحسب القانون السوري دون أن يؤثر ذلك على حق الزوجة بالعودة الذي هو حق للرجل و المرآة معا.
من جهة أخرى هناك جملة من القرارات الصادرة عن جامعة الدول العربية و الأمم المتحدة التي تتناول قضية حق العودة و تؤكد عليه من خلال مجموعة كبيرة من القرارات أبرزها القرار الدولي رقم/194/ عام 1948 و الذي يؤكد على هذا الحق و تنظيم ممارسته ،إذ جاء في البند الحادي عشر:(تقرر الجمعية العامة وجوب السماح بالعودة في اقرب تاريخ عملي للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم … وجوب دفع التعويض..).و عرفت إرشادات الاونروا بعد التعديل النهائي في 1993 المتعلقة بالتسجيل و الأهلية لاجئ فلسطين انه( أي شخص كانت فلسطين مكان إقامته المعتاد خلال الفترة من 1 حزيران 1946 إلى 15 أيار 1948 و فقد منزله و سبل معيشته نتيجة الصراع 1948.كما تعترف وثائق الاونروا بان هناك لاجئين غير فلسطينيين ينتمون لأحد عشر جنسية أخرى عربية و غيرعربية ينطون تحت مسمى لاجئي فلسطين و هم والمنحدرين منهم و المولودين بعد14/5/1948يحتفظون بحقهم في خدمات الاونروا بمن فيهم المراة المسجلة المتزوجة برجل غير مسجل.مما يؤكد أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين هو حق مضمون قانونيا بغض النظر عن الجنسية التي يحملها.
تقول السيدة سوسن زكزك عضو سكرتاريا رابطة النساء السوريات– صاحبة الحملة-”إن حملة تعديل قانون الجنسية في سورية هي جزء من حملة إقليمية على مستوى الدول العربية،بغية تصحيح الوضع وتمكين المراة من منح الجنسية ليس فقط لأولادها و إنما أيضا لزوجها و هو ما حدث في تونس و مصر.و الصعوبات التي نواجهها في سوريا هي نفسها في مختلف الدول العربية وهي تتعلق أولا و بشكل أساسي بوضع الإخوة الفلسطينيين المقيمين حاليا في الدول العربية المجاورة.لذا فقد قمنا بالتصدي لهذه القضية و شرحها مطولا في النشرة التي تصدرها الرابطة مستندين إلى القرارات الدولية الصادرة عن جامعة الدول العربية والأمم المتحدة و التي تؤكد جميعها على أن حق العودة للفلسطينيين محفوظ بغض النظر عن الجنسية التي يحملونها و بالتالي المشكلة ليست في الجنسية و إنما في عدم تطبيق القرارات الدولية 242 و 194.إن سوريا من أوائل الدول الداعمة للقضية الفلسطينية خاصة و أن قوانينها لا تفرق في المعاملة بين مواطنيهاو بين الفلسطينيين المتواجدين على أراضيها سواء فيما يتعلق بالإقامة والعمل،إلا أن عدم حصول أطفال السورية المتزوجة من فلسطيني على جنسية والدتهم يعقد معاملات سفرهم و بالتالي تحصيلهم العلمي أو عملهم في المستقبل .
و هنا لا بد لنا من التأكيد نقطة شديدة الأهمية و هي أن المقاربة التي نعتمدها في حملتنا هي مقاربة حقوقية لا سياسية لترسيخ دولة قانون و عدالة قائمة على مبدأ المواطنة. فالهوية الاجتماعية يرسمها المجتمع لأفراده نساء و رجالا بحسب القوانين السائدة،فإما تكرس تقدم احدهما على الأخر أو تكرس مساواة تعود بالنفع على المجتمع ككل”.
إن تعديل قانون الجنسية حق شرعي للمرأة السورية و واجب لابد من الدولة أن تقوم به تجاهها، فإذا كان يحق للرجل الزواج بأجنبية مهما كان انتمائها الوطني أو العرقي و يحصل أبنائهم تلقائيا على الجنسية السورية بغض النظر عن التربية والقيم التي يمكن أن يحصلا عليها من الام الأجنبية(ذات الأثر الأكبر في تشكيل وعي الأبناء)،فلماذا لا يحق للمراة السورية المتزوجة من غير سوري أن يحصل أولادها الذين تربيهم هي و تعلمهم هي و ترعاهم هي على الحق الذي تتمتع به المراة الأجنبية؟؟؟؟
لقد حان الوقت لتعديل القانون بما يضمن المساواة بين جميع المواطنين السوريين مع التأكيد على ضرورة أن يتضمن تعديل قانون الجنسية أثرا رجعيا يشمل كافة الحالات الموجودة قبل صدوره، لمعالجة مشكلات آلاف الشباب و الشابات الذين ينتمون قلبا و قالبا للمجتمع السوري و لكنهم لا يحملون أي ورقة تشير إلى ذلك وهو مع الأسف المعيار الوحيد الذي تعتمده مؤسساتنا في التعامل مع مواطنيها…
المجتمع الاقتصادي /تشرين الأول-2006
قد تبدو القضية لدى البعض غير ذات أهمية على اعتبار أنها لا تطال سوى شريحة صغيرة من المجتمع السوري خاصة لو تساءلنا عن عدد السيدات السوريات المتزوجات من غير السوريين سواء كانوا عربا أم أجانبا، في واقع الأمر لا يبدو الحصول على جواب أمرا هينا نظرا لغياب الدراسات الإحصائية المتعلقة بهذا الخصوص حيث أن وثائق الزواج لا تتضمن عادة ما يشير لجنسية الزوج. إلا أن هذا لا يعني أبدا أن القضية تخص فئات قليلة،فلو دققنا النظر حولنا في محيط أسرنا أو عملنا لوجدنا عشرات السيدات المتزوجات من غير السورين. وهو أمر ليس بغريب على المجتمع السوري الذي عرف دوما بعروبته و انفتاحه على الأشقاء العرب في مختلف الظروف، و هو كان و مازال البلد العربي الوحيد الذي لا يطلب تأشيرة دخول من أي عربي لزيارته. مما يعني ارتفاع معدل زواج الفتيات السوريات من غير السوريين بصورة منطقية من مختلف الدول العربية بالإضافة إلى الأجنبية. إلا أن الغير منطقي هو أن تحرم المراة السورية وحدها من ابسط حقوق المواطنة و التي تتعلق بإمكانية منح جنسيتها لأولادها خاصة و أن القانون السوري لا يحرم المراة منها في حال زواجها من غير السوري.
ولان البعض قد يبدي تحفظ على إثارة هذه القضية اليوم بحجة أن هناك قضايا أخرى أكثر أهمية و تستحق المعالجة تتعلق بوضع المراة و الأسرة السورية، فإننا نؤكد أن واقع السيدات السوريات المتزوجات من غير السوريين و أطفالهن و المقيمات على الأراضي السورية يزداد سوءا يوما بعد يوم خاصة مع تقدم الأبناء في العمر و بلوغهم مرحلة الشباب ، مرحلة التفاعل و التواصل مع مجتمع ينتمون إليه قلبا و قالبا و لكنه لا يعترف حتى بوجودهم على أراضيه..
انتماء اللا منتمي :
تقول السيدة منتهى هواري ” تزوجت عن طريق الأسرة من طبيب مصري و انتقلت للعيش معه في مصر بعد الزواج الذي لم يستمر لأكثر من شهر،عدت بعدها إلى بلدي لألد ابني الوحيد بعد تسعة اشهر و أبدأ معه رحلة البحث عن جنسية.فوالده لم يرسل لي سوى شهادة ميلاد هي اليوم كل ما يملك لإثبات شخصيته.لم اترك بابا إلا و طرقته السفارة المصرية،الخارجية و الداخلية و من ثم الهجرة و الجوازات التي منحت ابني تذكرة عبور لمصر في عمر السادسة عشر و مع ذلك لم يحصل على جواز سفر لأنه قاصر و القانون المصري يشترط موافقة الأب الذي لم يتعاون معنا ….تعرض ابني لحادث سير مما أعاق تقدمه لامتحان الشهادة الثانوية و لم نستطع اتخاذ أي إجراء بحق المخالف نظرا لعدم وجود أي أوراق ثبوتية لدى ابني.لقد ولد ابني في دمشق و درس في مدارسها، تربى في حاراتها وأتقن لهجتها و لم يعرف غيرها وطنا.و مع ذلك فانه بلغ الخامسة والعشرين دون أن يمتلك حق العمل أو التملك أو الزواج أو حق قيادة سيارة في شوراعها و لا حتى حق قطع تذكرة سفر بالنقل الداخلي لانه ببساطة لا يحمل هوية، إنني اشعر بالحسرة و الألم و أنا اسمع ابني الذي أمضيت حياتي كلها من اجله يلوموني بسبب وضعه الحالي… “.
مشكلة السيدة هواري لا تمسها وحدها بل تمس مئات الأمهات و ألاف الأبناء الذين ولدوا و عاشوا و تربوا في هذا البلد و لكن دون أن يمتلكوا حق التواجد على أراضيه. في الوقت نفسه يكتسب أبناء المغتربين الجنسية السورية تلقائيا من آبائهم بحسب القانون السوري الذي يكفل حق الجنسية لكل من ولد من أب سوري داخل أو خارج القطر مهما طالت مدة بقائه في الخارج و حتى لو لم يزره في حياته كلها..!!!
لين طالبة متفوقة تدرس الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، ولدت من أم سورية وأب مالي. سرعان ما تنسى ملامحها الأجنبية أمام لكنتها الشامية التي تؤكد انتمائها لسورية” تزوجت والدتي من والدي و سافرا للعيش في فرنسا و بعد عودة أمي إلى سوريا لولادتي،انقطعت أخبار والدي عنا و بقيت أنا بلا جنسية أو هوية تثبت شخصيتي نظرا لعدم وجود أي سفارة أو تمثيل دبلوماسي لمالي هنا،لقد عانت أمي الآمرين جراء ذلك سواء عند تسجيلي في المدرسة أو حتى في الجامعة التي كان من الممكن أن احرم منها لأنني لا امتلك ما يثبت هويتي،إلا أن تعاطف إدارة الجامعة مع قصتي ساعدني في التسجيل الذي ضمت اضبارته عشرات الأوراق في محاولة لإثبات شخصيتي…لقد بذلت أمي جهدا كبيرا في مراسلة السفارة المالية في مصر للحصول على جواز سفر لي و بعد معاناة دامت ثمانية شهور جاءنا الرد بأنه يتوجب علينا الانتظار ضمن قائمة طويلة للحصول على جنسية بلد لا اعرف عنها شئ… شعور الندم يراود أمي التي فضلت ولادتي هنا عن فرنسا و بالتالي حرمتني حق الحصول على الجنسية الفرنسية تلقائيا…”.
و إذا كان الدستور السوري ينص في المادة /44/ على أن” الأسرة هي خلية المجتمع الأساسية و تحميها الدولة” فأين هي حماية الدولة لأسرة السيدة فوز الأحمد التي تزوجت مرتين الأولى من زوج سوري و أنجبت طفلة و الثانية من فلسطيني و أنجبت أيضا طفلة هي في العاشرة من عمرها اليوم،إلا أنها لا تستطيع مرافقة أمها و أختها إلى أي مكان خارج سورية نظرا لأنها تحمل جنسية والدها الفلسطينية،تقول السيدة الأحمد ” ما ذنب طفلتي الصغيرة أن تحرم من مرافقتي و من زيارة أقاربها و أقارب والدها و التعرف على عائلتها فقط لأنها تحمل جنسية والدها، ما ذنبي أنا أن احرم من اصطحابها معي و هي صغيرة و بحاجة إلى رعايتي.لقد فوجئت عندما علمت أن القانون لا يعطني حق منحها جنسيتي و بالتالي يفرق بيني و بينها بحجة اختلاف الجنسية”…
قانون و لكن :
تختلف أسس اكتساب الجنسية من بلد لأخر بحسب ظروف و وضع كل بلد ،إلا أنها غالبا ما ترتكز على أساسين اثنين هما الأسرة أو ما يعرف بحق الدم و الأساس الجغرافي أو ما يعرف بحق الإقليم و هو الولادة على ارض الدولة. و قد استند المشرع السوري إلى الأساس الأول في منح الجنسية فنص في المادة /3/ من المرسوم التشريعي 276/1969 على انه يعتبر عربي سوري حكما من ولد في القطر أو خارجه من أب عربي سوري .
و اعتماد النسب لجهة الأب لاعتبارات دينية و قومية، يعني منح أبناء المغتربين الذين لم يزوروا سوريا منذ أعوام طويلة الجنسية السورية باعتبارهم سفراء لبلدنا في الخارج وهم يشكلون مصدر قوة و دعم مادي و معنويا. في المقابل لم يمنح المشرع السوري الجنسية السورية استنادا لحق الدم لجهة الام إلا في حالة واحدة و هي عدم ثبات نسب الطفل لوالده شريطة أيضا أن يكون مولودا على الأراضي السورية!!!و هنا تبدو المفارقة المضحكة المبكية إذ يحرم الابن الشرعي لام سورية و أب غير سوري من الجنسية السورية في حين يحصل عليها الابن الغير شرعي .
تقول د .كندة الشماط أستاذة مدرسة في كلية الحقوق جامعة دمشق”يعد الدستور نصا أسمى لا يجوز لقاعدة داخلية أن تتعارض معه،إلا أن قانون الجنسية السوري يعد مع الأسف مخالفة واضحة للدستور الذي لم يميز بين الرجل و المراة في الحقوق و الواجبات. لقد جافى المنطق المشرع السوري حين اعترف للأب السوري بحق منح الجنسية لا بناءه و حرم المراة/ لام منها.فإذا كان القانون السوري لا يمنع زواج السورية بغير السوري و لا يجردها من جنسيتها جراء ذلك فلما يمنع عنها حق منحا لأولادها خاصة إذا كانت مقيمة هي و أولادها على الأراضي السورية ؟؟ لقد وصلت المراة السورية لمواقع متقدمة و مناصب عالية و مع ذلك فإنها لا تملك حق منح جنسيتها لابنها إلا في حال عدم ثبات النسب . كلنا يعلم جيدا أن المطالبين بالحصول على الجنسية السورية هم في حقيقة الأمر بأشد الحاجة إليها فإذا كانوا يولدون و يدرسون و يعيشون على أراضي السوري و معظمهم لا يعرف وطنا أخر غير سوريا و إن انتمى ورقيا لبلد أخر فما المانع القانوني و الإنساني من منحهم الجنسية خاصة و أنهم يشكلون قوة علمية و مادية منتجة و مفيدة لهذا البلد. إن تعديل القانون أمر واجب نظرا لنتائج غيابه السلبية على الصعيد الأسري و الاجتماعي “.
و إذا كان الدستور السوري لا يفرق بين الرجل و المراة في الحقوق و الواجبات بحسب المادة /25/ الفقرة الثالثة منه”المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق و الواجبات” فان المطالبة بتعديل قانون الجنسية بحيث يصبح للام أيضا حق منح جنسيتها لأولادها لا يندرج فقط في نطاق مساواة المراة بالرجل ،و إنما يرتبط ارتباطا وثيقا بحقوق الطفل بالحياة برعاية والدته و حقه في العيش في المجتمع الذي يشعر حقا بالانتماء إليه في مقابل أن يعترف هذا المجتمع بشرعية وجوده.
و لأنه يحلو للبعض وضع العصي بين الدواليب، فإننا نصادف الكثيرين ممن يتذرعون بالشريعة الإسلامية التي تنص على نسب الابن لأبيه،و هو أمر لا علاقة له على الإطلاق بقانون الجنسية. فعلماء الدين يتجهون إلى الفصل بين الجنسية و الشريعة،على اعتبار أن الجنسية هي “رابطة سياسية و قانونية بين الفرد و الدولة في التشريعات الوضعية الحديثة” و بالتالي لا وجود لأي انعكاسات دينية أو اجتماعية تمس النسب و هو ما يظهر جليا بالقانون ذاته الذي يمنح الجنسية للابن الغير شرعي .
و خير دليل على هذا قول الإمام محمد عبده”وطن المسلم من البلاد الإسلامية هو المحل الذي ينوي الإقامة فيه.و يتخذ فيه طريقة كسبه لعيشه و يقر فيه مع أهله و لا ينظر إلى مولده و لا إلى البلد الذي نشا فيه…. فهو رعية الحاكم الذي يقيم تحت ولايته و له من حقوق رعية الحاكم و عليه ما عليهم “.
من جهة أخرى يربط الكثيرون بين تعديل قانون الجنسية وبين التوجه السياسي المتعلق بحماية حق الفلسطينيين بالعودة وبالتالي يرفضون تعديل القانون تخوفا من الآثار التي يمكن أن تنتج عنه و تضر بالقضية الفلسطينية.وهنا لابد من الإشارة إلى إن الربط بين تعديل القانون و وضع الفلسطينيين أمر غير منطقي، فالرجل السوري يستطيع منح جنسيته السورية لزوجته الفلسطينية بعد الزواج بعامين بحسب القانون السوري دون أن يؤثر ذلك على حق الزوجة بالعودة الذي هو حق للرجل و المرآة معا.
من جهة أخرى هناك جملة من القرارات الصادرة عن جامعة الدول العربية و الأمم المتحدة التي تتناول قضية حق العودة و تؤكد عليه من خلال مجموعة كبيرة من القرارات أبرزها القرار الدولي رقم/194/ عام 1948 و الذي يؤكد على هذا الحق و تنظيم ممارسته ،إذ جاء في البند الحادي عشر:(تقرر الجمعية العامة وجوب السماح بالعودة في اقرب تاريخ عملي للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم … وجوب دفع التعويض..).و عرفت إرشادات الاونروا بعد التعديل النهائي في 1993 المتعلقة بالتسجيل و الأهلية لاجئ فلسطين انه( أي شخص كانت فلسطين مكان إقامته المعتاد خلال الفترة من 1 حزيران 1946 إلى 15 أيار 1948 و فقد منزله و سبل معيشته نتيجة الصراع 1948.كما تعترف وثائق الاونروا بان هناك لاجئين غير فلسطينيين ينتمون لأحد عشر جنسية أخرى عربية و غيرعربية ينطون تحت مسمى لاجئي فلسطين و هم والمنحدرين منهم و المولودين بعد14/5/1948يحتفظون بحقهم في خدمات الاونروا بمن فيهم المراة المسجلة المتزوجة برجل غير مسجل.مما يؤكد أن حق العودة للاجئين الفلسطينيين هو حق مضمون قانونيا بغض النظر عن الجنسية التي يحملها.
تقول السيدة سوسن زكزك عضو سكرتاريا رابطة النساء السوريات– صاحبة الحملة-”إن حملة تعديل قانون الجنسية في سورية هي جزء من حملة إقليمية على مستوى الدول العربية،بغية تصحيح الوضع وتمكين المراة من منح الجنسية ليس فقط لأولادها و إنما أيضا لزوجها و هو ما حدث في تونس و مصر.و الصعوبات التي نواجهها في سوريا هي نفسها في مختلف الدول العربية وهي تتعلق أولا و بشكل أساسي بوضع الإخوة الفلسطينيين المقيمين حاليا في الدول العربية المجاورة.لذا فقد قمنا بالتصدي لهذه القضية و شرحها مطولا في النشرة التي تصدرها الرابطة مستندين إلى القرارات الدولية الصادرة عن جامعة الدول العربية والأمم المتحدة و التي تؤكد جميعها على أن حق العودة للفلسطينيين محفوظ بغض النظر عن الجنسية التي يحملونها و بالتالي المشكلة ليست في الجنسية و إنما في عدم تطبيق القرارات الدولية 242 و 194.إن سوريا من أوائل الدول الداعمة للقضية الفلسطينية خاصة و أن قوانينها لا تفرق في المعاملة بين مواطنيهاو بين الفلسطينيين المتواجدين على أراضيها سواء فيما يتعلق بالإقامة والعمل،إلا أن عدم حصول أطفال السورية المتزوجة من فلسطيني على جنسية والدتهم يعقد معاملات سفرهم و بالتالي تحصيلهم العلمي أو عملهم في المستقبل .
و هنا لا بد لنا من التأكيد نقطة شديدة الأهمية و هي أن المقاربة التي نعتمدها في حملتنا هي مقاربة حقوقية لا سياسية لترسيخ دولة قانون و عدالة قائمة على مبدأ المواطنة. فالهوية الاجتماعية يرسمها المجتمع لأفراده نساء و رجالا بحسب القوانين السائدة،فإما تكرس تقدم احدهما على الأخر أو تكرس مساواة تعود بالنفع على المجتمع ككل”.
إن تعديل قانون الجنسية حق شرعي للمرأة السورية و واجب لابد من الدولة أن تقوم به تجاهها، فإذا كان يحق للرجل الزواج بأجنبية مهما كان انتمائها الوطني أو العرقي و يحصل أبنائهم تلقائيا على الجنسية السورية بغض النظر عن التربية والقيم التي يمكن أن يحصلا عليها من الام الأجنبية(ذات الأثر الأكبر في تشكيل وعي الأبناء)،فلماذا لا يحق للمراة السورية المتزوجة من غير سوري أن يحصل أولادها الذين تربيهم هي و تعلمهم هي و ترعاهم هي على الحق الذي تتمتع به المراة الأجنبية؟؟؟؟
لقد حان الوقت لتعديل القانون بما يضمن المساواة بين جميع المواطنين السوريين مع التأكيد على ضرورة أن يتضمن تعديل قانون الجنسية أثرا رجعيا يشمل كافة الحالات الموجودة قبل صدوره، لمعالجة مشكلات آلاف الشباب و الشابات الذين ينتمون قلبا و قالبا للمجتمع السوري و لكنهم لا يحملون أي ورقة تشير إلى ذلك وهو مع الأسف المعيار الوحيد الذي تعتمده مؤسساتنا في التعامل مع مواطنيها…
المجتمع الاقتصادي /تشرين الأول-2006