.و مع كثرة الإنتاج المحلي الاستهلاكي و انفتاح السوق على منتجات عربية و أخرى أجنبية بترخيص، فضلا عن التطور الطباعي و الالكتروني و ما صاحبه من امكانات عرض مختلفة و بمزايا متقدمة يبرز دور الإعلان الطرقي بوسائله و أشكاله المتعددة ليتقدم على وسائل إعلانية أخرى كانت شديدة المنافسة في السابق كإعلانات الصحف و الإعلانات التلفزيونية .
تشير المادة الأولى من القرار رقم /1/ الصادر عن وزير الإعلام بتاريخ 15-1-2006 إلى حصر تنفيذ كافة الإعلانات الطرقية بالمؤسسة العربية للإعلان سواء كانت في الطرقات والأماكن العامة ،أسطح الأبنية و الجدران ، واجهات المحلات أو ضمن الوجائب أو السيارات و ما في حكم ذلك .
وحصر تنفيذ الإعلانات الطرقية و الإشراف عليها من قبل جهة حكومية متمثلة بالمؤسسة العربية للإعلان لا يعني أبدا انتفاء وجود الشريك الخاص و المتمثل في الشركات الإعلانية الخاصة، التي تلعب غالبا دور الوسيط بين المعلن و المؤسسة لتكون النتيجة انتشار ألاف اللوحات الإعلانية الطرقية و بأشكال متعددة داخل المدينة .
إن وجود علاقة وساطة بين الحكومي و الخاص يدفعنا للسؤال عن طبيعة هذه العلاقة و دور كل طرف فيها؟ إيجابياتها و سلبياتها ؟ هل تخدم هذه العلاقة المعلن حقا أم أنها تروج لنفسها فقط ؟ و أين المتلقي للرسالة الإعلانية وسط هذا الزحام ؟
التخصص طريق للنجاح…
يعد الإعلان الطرقي واحدا من أقدم الوسائل الإعلانية إذ بدأ بالمنادين في الشوارع ليتمتع اليوم بأشكال متطورة و متنوعة بين الورقي الفاخر الطباعة (بوسترات ، الفيليكس ، الفينيل…) وصولا إلى اللوحات الكهربائية و الإلكترونية،وقد رافق هذا التطور التكنولوجي تطورا في فكر صناعة الرسالة الإعلانية إلى حد وجود مدارس متخصصة في دراسة و تطوير أساليب صياغتها.
و إذا كان التطور الإعلاني في العالم قد استغرق قرنا من الزمن فانه لم يأخذ أكثر من عشر سنوات لينتشر انتشارا واسعا في بلدنا من ناحية التطور التكنولوجي لنمتلك اليوم أنواعا و أشكالا مختلفة من الإعلانات الطرقية بتقنية عرض شديدة التطور،في حين حافظت الرسالة الإعلانية على أسلوب واحد في صياغتها يعتمد غالبا فعل الأمر( اشتر،اربح ، اتصل …. ).
شركة المستقبل من أوائل شركات الإعلان الطرقي في سوريا والتي بدأت نشاطها في دمشق منذ عام 1995 و انتشرت بكامل القطر مع نهاية العام نفسه . يقول السيد مهند فهد مسؤول التسويق و الإعلانات في الشركة ” نحن نؤمن بالإعلان الطرقي و فعاليته لذلك تخصصنا به دون سواه ، و اليوم تعد شركتنا رائدة في هذا المجال خاصة و أن نظام لوحاتنا عالمي من حيث الشكل و التصميم القائم على علب مستطيلة الشكل ثنائية الوجه قياس 180×120 سم تتوضع في زوايا الشوارع و على مفترقات الطرق و مواقف الباصات بما يسمح بمشاهدتها من قبل الجميع في الشارع راكبا كان أم مترجلا ” و حول الخدمات الإعلانية التي تقدمها الشركة للمعلن يقول السيد فهد ” نقوم بمهمة نشر الإعلان و توزيعه بالطريقة الملائمة على شبكاتنا الإعلانية بحسب الاتفاق مع المعلن و بعد اخذ الموافقات اللازمة من المؤسسة العربية للإعلان و تسديد الرسوم اللازمة” .
و لان الإعلان الطرقي في الأصل رسالة إعلانية موجزة تتوجه إلى الجمهور المتواجد في الطرقات العامة بصورة ما بغية إثارته تجاه المنتج المراد تسويقه فان السؤال عن دور شركات الإعلان في صناعة و صياغة الرسالة الإعلانية أمر بالغ الأهمية؟
يجيب مسؤول التسويق و الإعلانات في المستقبل” نحن كشركة إعلانية نعمل كوسيط بين المعلن و المؤسسة العربية للإعلان ، نقدم للمعلن إمكانية عرض رسالته الإعلانية ضمن شكل إعلاني أنيق و متميز و في أي مكان يرغب به ، فشبكتنا تمتد لتشمل القطر بكافة محافظاته و بعدد وفير يصل إلى 32 شبكة ضمن دمشق وحدها علما بان كل شبكة تتضمن 100 وجه إعلاني بمعنى أننا نضمن للمعلن انتشارا إعلانيا واسعا و مكثفا أما فيما يتعلق بتصميم الإعلان فان الخيار الأول و الأخير يكون للمعلن نفسه في اختيار رسالته الإعلانية و أسلوب صياغتها ” .
يبدو واضحا أن الاهتمام ينصب بالدرجة الأولى على عملية النشر و التوزيع و الشكل الإعلاني و لكن هل يحقق الإعلان الطرقي الغاية المرجوة منه فقط بكثافة التوزيع و تكرار النشر؟ و أين هو دور الرسالة الإعلانية في جذب الاهتمام و إثارة الانتباه و شرح الأفكار و توضيح الخصائص السلعية؟ وهل نجاح الإعلان مرتبط بالمضمون الإعلاني أم بالكثافة الإعلانية فقط؟
يقول السيد فهد ” هناك شركات متخصصة في التصميم و نحن كشركة تؤمن بالتخصص نترك هذا الشأن لذوي الاختصاص بالطبع نقدم نصائح معينة تتعلق بالزمان و المكان المناسب للنشر فضلا عن المواصفات الواجب توفرها في التصميم بما يلائم مقاييس لوحاتنا الإعلانية و لكننا نفضل ترك الحرية للمعلن دون التدخل، إننا نملك القدرة على إيجاد قسم للغرافيك لو أردنا ، إلا أن وجود فريق غرافيك يعني صبغ جميع إعلانات الشركة بروح واحدة و هذا لا يخدم الإعلان برأينا…”
إعـــلان المطرقـــة…
يؤكد السيد رياض جبارة مدير الإعلان في شركة طيف على دور التكرار في نجاح الإعلان بصورة عامة ” إعلان المطرقة هو شعار وسيلتنا الإعلانية التي تنتشر ضمن علب زجاجية معلقة على أعمدة الإنارة بشكل متسلسل منتظم و مدروس علميا و ليس بصورة عشوائية مما يعني ضمان رسوخ اسم المنتج أو الخدمة المعلن معها في ذهن المشاهد ، إننا نملك أسلوبا خاص و مميز سواء من ناحية الشكل أو التوزع في الطرقات فلوحات شركتنا اقتصادية من حيث الحجم و التوزيع (50 وجه للشبكة الواحدة) و تكرار الإعلان
يسمح باستكمال المعلومات للمتلقي الغير متفرغ تماما لعملية التلقي.”، ولان شركة طيف الإعلانية هي وكيلة للمؤسسة العربية للإعلان لمختلف أنواع الإعلانات تلفزيونية و إذاعية و طرقية بالإضافة إلى إعلانات الصحف و المجلات فكان لابد من السؤال عن دور الإعلان الطرقي و أهميته للمعلن ، يجيب السيد جبارة ” لاغنى للمعلن عن الإعلان الطرقي في حال رغبته ضمان انتشار واسع لإعلانه و وصوله بالسرعة القصوى ، فامكانات نشر و توزيع الإعلان الطرقي غير محدودة فضلا عن توجهها لكافة الفئات و الشرائح في المجتمع مما يعني ترويجا واسعا لأي منتج أو خدمة و هو ذو تكلفة معقولة إذا قارنها بالمزايا المذكورة”.
و عن دور الرسالة الإعلانية في إنجاح الإعلان و تحقيق الهدف المرجو منه يوضح السيد رياض ” للرسالة الإعلانية دور هام في إنجاح الإعلان و نحن كشركة إعلانية بالإضافة إلى دورنا كوكيل للمؤسسة العربية للإعلان نقدم خدمة التصميم الإعلاني لمن يرغب من المعلنين اخذين بعين الاعتبار أن الإعلان الطرقي لا يحتمل تعقيدا في صياغة الرسالة نظرا لطبيعة التعرض له بصورة عشوائية دون تركيز، لذا يكون اللجوء إلى البساطة و الوضوح و الاختصار في التصميم مع الاهتمام بالصورة بالطبع، ولكن المشكلة تكمن في التعامل مع بعض المعلنين الذين يمتلكون ذوقا خاصا ولهم شروط معينة ،عندها الأمر يعود للمعلن وحده و ينحصر دورنا في تقديم النصح و المشورة و التنسيق مع المؤسسة بالطبع ..” .
أما المنافسة بين الشركات الإعلانية فتبدو غائبة، يقول السيد جبارة ” التعرفة واضحة و محددة من قبل المؤسسة العربية للإعلان و بالتالي التفرد يكون في نوع الوسيلة الإعلانية التي تمتلكها كل شركة و الخيار يكون للمعلن في اختيار الشكل الأنسب لنشر إعلانه . لا يلعب تصميم الرسالة دورا في المنافسة فهناك شركات لا تقدم هذه الخدمة للمعلن و بالتالي فان أسلوب التعامل مع المعلن و إقناعه بالوسيلة الأنسب لإعلانه فضلا عن إمكانية تامين حسومات معينة له هو من يحسم المنافسة في حال وجودها “
و لكن ماذا عن المشاهد لكل هذه الإعلانات ؟ صحيح أن الانتباه الكلي غير مطلوب في تلقي الإعلان الطرقي إلا أن التعرض لهذا الكم الهائل من الرسائل الإعلانية الموزعة على أسطح الأبنية و جدرانها و أعمدة الإنارة و زوايا الطرقات و مواقف الباصات فضلا عن انتشارها اليوم على وسائط النقل من باصات و سيارات إلى جانب لوحات المحلات التجارية و عيادات الأطباء و ارمات الشركات و شاخصات توزيع الاتجاهات و أسماء الشوارع أخذين بعين الاعتبار طبيعة التنظيم العمراني القديم للمدينة و ما يعنيه من التصاق الأبنية بعضها البعض و اختلاف ارتفاعاتها بالإضافة إلى ندرة الشوارع الواسعة و ازدحامها بالمركبات يتطلب ذاكرة حديدية لا يملكها معظمنا في ظل زحمة حياتنا اليومية و بالتالي لم يعد الإعلان الطرقي وسيلة للترويج السلعي بقدر ما هو أداة لإثبات تواجد في السوق الاقتصادي المحلي و لو من خلال الإعلان فقط .
و لان الإعلان الطرقي يخضع أولا و أخيرا إلى إشراف المؤسسة العربية للإعلان كما اشرنا سابقا ، فان السؤال عن دور المؤسسة في التنظيم و التخطيط الإعلاني يصبح أمرا بديهيا ….
مركزية بحاجة إلى صلاحية
يعتمد الإعلان الطرقي كوسيلة إعلانية على الاتصال البصري بين المرسل و المتلقي لإيصال رسالة من خلال وسيط متمثل باللوحة الإعلانية حامل الرسالة ، لذا فإنها بحاجة إلى التوضع في المكان الصحيح و الملائم لضمان إيصال الرسالة و تحقيق الغاية المرجوة منها فضلا عن كونها موضوع جمالي يتوضع ضمن شوارع المدينة و على أرصفتها و أسطح و جدران أبنيتها، إلا أن اللافت للانتباه أن القرارين /1/ و /2/ الصادرين عن وزير الإعلام بتاريخ 15/1/2006 يتناولان فقط عملية التنظيم المالي للإعلان الطرقي بكافة أنواعه و أشكاله بما فيه من تحديد للتعرفة وفرض غرامات على المخالفين و أساليب تسويتها دون الإشارة إلى أسلوب و معايير توزيعها و نشرها داخل المدينة و خارجها.
يقول السيد محمد لقيس مدير الاستثمار في المؤسسة العربية للإعلان ” صحيح أن المؤسسة العربية للإعلان هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن الإشراف و التنظيم فيما يتعلق بالإعلان الطرقي في القطر إلا أننا فعليا بدأنا بالتنسيق مع الجهات الحكومية الأخرى( المحافظة و المواصلات ) منذ عام 1998 فقط و بالتالي فإننا نملك إرثا من سوء التوزيع نعمل على تسويته بالصورة الممكنة حاليا، منذ عامين صدر قرار بمنع تركيب أي لوحة إعلانية على أملاك الدولة مما يعني فعليا عدم وجود أي لوحة إعلانية جديدة داخل مدينة دمشق منذ عامين . بالطبع نحن لا نملك حق التدخل بأسطح و جدران الأبنية الخاصة ” .
و لكن ماذا عن معايير تركيب اللوحات الإعلانية الطرقية و أسلوب تنظيمها يوضح السيد محمد ” بالطبع هناك معايير مفروضة لكل نوع إعلاني مثل البعد عن دور العبادة و المقابر ، عدم إعاقة السير و عدم الخروج عن النسق و النسيج العمراني للمنطقة بالنسبة إلى اللوحات الطرقية ، تحسين وصيانة الجدران بالنسبة للوحات الجدارية ، وضع الإعلان على الهيكل المعدني الجانبي فقط للمركبة فيما يتعلق بالإعلان على وسائط النقل و هكذا…” .
يبدو واضحا عدم التزام المعلنين بالمعايير المفروضة من قبل المؤسسة العربية للإعلان التي تكتفي بفرض غرامات مالية على المخالفات فقط دون إزالتها مما يقضي على أي محاولة للتنظيم و الضبط للإعلان العشوائي داخل المدينة و خارجها ، يؤكد السيد لقيس” المؤسسة لا تملك كوادر كافية للقيام بعمليات كشف دورية مستمرة للمخالفات ، كما أننا لا نملك صلاحية إزالة المخالفات و نحن بحاجة إلى مساندة و دعم جهة أخرى تمتلك هذه الصلاحية مثل المحافظة ، لذلك فقد تم تشكيل لجنة مؤلفة من 12 شخصا من المؤسسة و المحافظة للكشف عن المخالفات و إصدار أوامر بإزالتها من قبل المحافظ و بإشراف البلديات فضلا على أن عملية إزالة المخالفات مكلفة و بحاجة إلى ميزانية خاصة ” .
و لكن إذا كانت الجهة الحكومية الوحيدة المسؤولة عن الإشراف على الإعلان الطرقي لا تمتلك الكوادر الكافية و لا الميزانية أو حتى الصلاحية اللازمة لإزالة المخالفات فما هو دورها إذا؟ يقول السيد محمد ” المؤسسة تلعب دورا مهما في تنظيم العملية الإعلانية برمتها ،فحصر تنفيذ الإعلانات بجهة واحدة يوفر الكثير من الوقت و المال على المعلن لكونه يقوم بمراجعة جهة واحدة سواء فيما يتعلق بالحصول على الموافقات اللازمة لنص الرسالة أو لتسديد الرسوم المترتبة أو حتى للحصول على موافقة للتركيب . و نحن نعمل بقدر المستطاع على التنسيق مع جهات أخرى للتنظيم كما حدث في شارع الحمراء حيث قمنا بإعادة ترتيب و تنظيم كافة اللوحات الإعلانية ، أيضا هناك سور البرامكة الجديد .و المؤسسة تدعم المعلنين من خلال تقديم حسومات خاصة في فترات معينة أو تقديم حسومات في حال وجود رعاية من إحدى الجهات فضلا عن دعمنا المطلق لكافة الإعلانات ذات طابع الخدمة الاجتماعية و الوطنية و التي لا نتقاضى عليها أي رسوم شريطة إن لا تحمل شعار لأي جهة ، نحن كمؤسسة لا نتدخل في تصميم الرسالة الإعلانية و لكننا نضع ضوابط معينة بحكم عادات المجتمع و تقاليده لعدم المساس بمشاعر المشاهدين . نأمل في المستقبل أن يكون لدينا كادر مختص للتصميم و لوحات خاصة خارج المدينة و على طرقات السفر خاصة بالمؤسسة” .
في النهاية قد نجد أنفسنا مقتنعين بقول د.معلا بأن الإعلان اعتداء على الحواس و لكن هذا الاعتداء إن لم يفكر بالمشاهد بطريقة تحترم ذائقته و ذوقه و مدركاته العقلية على استيعاب هذا الهجوم الإعلاني غير المنطقي ليس فقط لحواسه كمشاهد و إنما لبيئته المحيطة أيضا فانه بلا شك يصبح اعتداء سافرا غير شرعي يضيف نوعا من التلوث البصري إلى مسلسل التلوث الذي نعيشه فإلى أين ….
المجتمع الاقتصادي /نيسان2006