“بعد وفاة زوجي و انشغال أولادي بعائلاتهم وشؤونهم الخاصة وجدت نفسي وحيدة في أيام ساعاتها تطول يوما بعد يوم، إعلان القرية لطلب أمهات جدد للانضمام إلى فريقهم والعمل فيها كان بمثابة إنقاذ لي. لذلك اندفعت بلا تفكير للاتصال بالإدارة، إنهم يبحثون عن أم ترعى حياة أطفالهم و أنا أم ابحث عن أطفال يعيدون لي حياتي”
بهذه البساطة الممزوجة بشيء من المرارة روت السيدة أمل أو (ماما أمل) كما تحب أن يناديها الجميع، كيف بدأت حكايتها مع القرية السورية للأطفال SOS منذ ما يقارب العام و هي بهذا تكون أحدث الأمهات في القرية التي يزيد عمرها في سورية عن الخمسة عشر عاما.
ساعات النهار الطويلة خارج أسوار القرية والتي كانت دافع ماما أمل للالتحاق بأسرة القرية لم تعد بذات الطول بعد أن أصبحت داخل أسوارها، تقول”الأمر ليس بالهين كما انه ليس بالصعب كما يمكن أن يعتقد الكثيرون، القرية هنا تشبه الخارج هناك. أنا لي بيتي وأطفالي المسؤولة عنهم بصورة شبه كاملة… أطبخ لهم وأنظف المنزل وأساعدهم أحيانا في الدراسة بحسب امكاناتي كما أنني انزل للسوق و أتبضع لهم ما يحتاجونه و ما يحتاجه البيت أيضا…في فترة العصر أقوم ببعض الزيارات لجاراتي الأمهات الأخريات في القرية و كثيرا ما ننزل معا إلى المدينة لشراء حاجيات بيوتنا و نحتفل مع بعضنا بالأعياد والمناسبات تماما كما تفعل أي أم في الخارج”
إذا ما الفارق بين الحياة في القرية والحياة في خارجها سألنا ماما أمل فأجابت “فارق وحيد وأساسي هو أنني هنا أجد ما أعيش من اجله، هؤلاء الأطفال أطفالي… هم بحاجتي وأنا أيضا احتاجهم، وجودي معهم يعطي لحياتي معنى ويشعرني بوجودي وبأنني مهمة ومفيدة”. وعندما سألنها عن أولادها الحقيقيين خارج القرية ابتسمت وأجابت “هم الآن لم يعودوا بحاجتي كالسابق، لديهم عائلاتهم الخاصة ومسؤولياتهم أيضا وأنا أصبحت عبئا عليهم لا معيلا لهم، صحيح أنهم لم يتقبلوا الأمر في البداية ولكنهم مع الأيام اعتادوا على الأمر وقبلوه بعد أن تأكدوا أنني سعيدة هنا”.
الأم نواة الأسرة:
حكاية ماما أمل واحدة من حكايات العديد من السيدات اللواتي قررن بملء اراداتهن الانضمام إلى أسرة القرية السورية للأطفال بما يتطلب ذلك من انفصال شبه كامل عن عائلتهم الحقيقية للإقامة و التفرغ للعمل في القرية و رعاية أطفالها الذين فقدوا عائلاتهم لسبب من الأسباب،ذلك أن نظام القرية يستقبل الأطفال اليتامى الذين حرموا حنان الأب والأم أو حتى فقدوا أحدا منهما وليس بمقدور الولي المتبقي (الأب آو الأم) رعايتهم بطريقة سوية كما تستقبل القرية أيضا الأطفال حتى بوجود ذويهم و لكن بشرط أن تكون ظروف معيشتهم بالغة السوء و تستدعي فصلهم عن ذويهم ليتمكنوا من الحصول على رعاية أفضل.
ولان القرية السورية للأطفال تتبع ذات النظام المتبع في مختلف قرى الأطفال في العالم من حيث الاعتماد الأساسي على وجود أم تكون نواة تكوين أسرة لمجموعة من الأطفال اليتامى والمحرومين من المعنى الحقيقي لمفهوم العائلة،فإنها تضع مجموعة من الشروط و المواصفات الواجب توفرها في شخصية الأم و التي من أبرزها أن تكون عزباء غير متزوجة و تجاوزت الثلاثين من العمر عن هذه الشروط يقول السيد مأمون كدكودي مدير عام القرية”وجود الأم أساسي في بناء نظام القرية و لان المراة عموما بعد الثلاثين تصبح أكثر نضجا و خبرة في الحياة فضلا على أنها تكون غالبا ما حسمت موضوع الارتباط و الزواج بالنسبة إليها إذ يفترض أن تكون عزباء أو على الأقل غير مرتبطة، وذلك نظرا لان طبيعة دورها في القرية يتطلب تفرغا كاملا من قبلها بالإضافة طبعا إلى أن عدم وجود أطفال لديها أمر محبذ لأنها بذلك لن تفاضل أطفالها على أطفال القرية و ستوجه لهم كامل العطف و الرعاية اللازمين”و لكن ألا يتحول الأمر إلى نوع من السجن الاختياري لهؤلاء الأمهات داخل أسوار القرية؟؟ يقول السيد كدكودي: “على العكس لان مجتمع القرية يعكس صورة مصغرة عن المجتمع في الخارج، بمعنى أن القرية مؤلفة حاليا من اثنا عشر بيتا في كل بيت تقريبا حوالي سبعة إلى تسعة أطفال جميعهم دون الرابعة عشر بالنسبة للفتيات و دون الثانية عشر بالنسبة للأولاد. كل بيت يتمتع باستقلالية وخصوصية تفرضها الأم الموجودة والأم تتمتع بطبيعة الحال بحرية الحركة بمعنى إمكانية الخروج إلى خارج القرية لقضاء احتياجات بيتها سواء بمفردها أو مع غيرها من الأمهات أو حتى مع أطفالها لشراء ما يلزمهم. بالطبع هناك أجازات لكل أم حوالي السبعة أيام في الشهر ونحن حريصون على أن تحصل كل أم على اجازاتها بصورة منتظمة لدعم علاقاتها مع ذويها مما ينعكس ايجابيا على نفسيتها و عملها مع الأطفال داخل القرية”.
و لكن من يحل مكان الأم في حال غيابها، يقول كدكودي “الخالة رديف الأم في حال غيابها،إنها بمثابة بديل عنها عندما تكون الأم خارج القرية، ترعى الأطفال و تدير شؤونهم في المنزل لحين عودة الأم والأطفال يعرفونها و ينادونها بالخالة. ولا توجد شروط خاصة بالخالة سواء من حيث العمر أو الحالة المدنية نظرا لطبيعة ارتباطها المؤقت بالأطفال ،بالطبع وجود الخالة ضروري ويعزز فكرة العائلة وبنيتها كأساس تكوين لنظام القرية”.
ماما فوزية و هبة الامومة:
تشكل ماما فوزية حالة استثنائية و خاصة في القرية على اعتبار أنها أقدم الأمهات وجودا فيها، إذ مضى على وجودها في القرية قرابة الأربعة عشر عاما ، تقول ماما فوزية”تخرج من بيتي تسعة و عشرون شابا و صبية ما زالوا حتى اليوم على تواصل معي،يتصلون بي و يزورونني في الأعياد و المناسبات و بعضهم تزوج و أصبح يأتي لزيارتي مع عائلته و من تمنعه ظروفه من زيارتي يتصل بي هاتفيا للاطمئنان بين فترة و أخرى”هذه الرابطة التي تجمع بين فوزية و أولادها لم تأت من فراغ بل جاءت نتيجة عاطفة حقيقية منحتها فوزية لهؤلاء الأطفال الذين جاؤوها من أماكن بعيدة و بقصص و حكايات مؤلمة و محزنة عن كيفية فقدانهم لذويهم،تقول فوزية”ربيت أيتام كما ربيت أطفالا ذويهم موجودون و لكن ظروف الحياة منعتهم من رعاية الأطفال فجاؤوا إلى بيتي هنا في القرية لأرعاهم ليكبروا و يصيروا رجالا و صبايا لهم حياتهم الخاصة و مع ذلك يصرون على التواصل معي و مناداتي بماما تماما كما كانوا هنا في القرية و هذا من نعمة ربي علي”. و عن تفضيلها رعاية البنات أو البنين تقول”بعد هذه التجربة في القرية أرى أن الطفل سواء كان صبيا أو فتاة هو ابن ظرفه،أحيانا تكون الفتاة اهدأ من الصبي و العكس قد يكون صحيحا بالنسبة لي لا فرق بين الصبي و الفتاة.و بكل الأحوال و إن كنت في لحظات ميالة إلى ولد دون أخر فإنني في النهاية لا أحاول أبدا إظهار أي تفضيل لأحد على الأخر لأنهم جميعا صغار و بحاجة إلى رعاية و اهتمام”.
تمتلك الأم فوزية ميزة أخرى عدا عن كونها من أقدم الأمهات في القرية ألا و هي أنها قد حصلت مؤخرا على خاتم القرية الذهبي و ذلك لقاء تواجدها في القرية لمدة تزيد عن العشرة أعوام عن الخاتم تقول”الخاتم عادة إشارة إلى زواج أي ارتباط و هذا الخاتم من قبل إدارة القرية هو بمثابة توثيق لارتباطي بالقرية و أطفالها الذين هم في المحصلة أطفالي …فرحتي بالخاتم كبيرة بلا شك و لكنها لا تضاهي فرحتي بلقاء أولادي بعد ان كبروا و تخرجوا من القرية و أصبحت لديهم حياتهم الخاصة و مع ذلك يتذكرونني و ينادونني ماما فوزية.ارتباطي اليوم بالقرية و أطفالها بصراحة أقوى بكثير من ارتباطي بعائلتي الحقيقية لأنني هنا اشعر بأنني أعطي أناس هم فعلا في حاجتي و أنا بحاجة إلى أن أراهم أقوياء سعداء في هذه الدنيا”.
كلمات ماما فوزية وحديث ماما أمل يؤكدان بما لا يدع مجالا للشك أن عاطفة الأمومة بما فيها من حنان و حب و تضحية هي هبة من الخالق يزرعها في المراة لتهبها بدورها لمن يحتاجها من حولها سواء كانت لعائلتها الأصلية أو لعائلة ما تخلقها بجهدها و حبها و حنانها كما تفعل الأم في القرية السورية للأطفال.
مجلة زووم 2008